هل انتهى عصر الحكومات التقليدية؟ وما هي ملامح حكومات المستقبل؟ وما هو زمن واتجاه التحول الذي يجب أن تتبعه الحكومات لضمان دورها في منظومة الحوكمة في المستقبل؟
هل الحكومات التقليدية مهددة؟
رغم التباينات في دور الحكومات الحالي في معظم دول العالم، ورغم قيام بعض الحكومات بتسريع عمليات تحولها، فإن التهديد من غياب دور الحكومات يطال معظم دول العالم، ومع تضاؤل دور الحكومات في الدول المختلفة يتقلص تأثير العملية الديمقراطية، فما معنى أن يتم انتخاب حكومة يقتصر دورها على تنظيم أخطاء الجهات الأخرى الفاعلة في المجتمع؟ وهذا يعيدنا إلى ضرورة إعادة توصيف دور الحكومة في النشاطات الاجتماعية والاقتصادية، وإلى محاولة تحقيق التوازن مابين المرونة التي يجب أن تتمتع بها الفعاليات الاقتصادية لتنمية الثروة في المجتمع، وبين الحد المعقول من التنظيم الذي يمنع تلك الفعاليات من استغلال المجتمع لخدمة مصالحها الضيقة.
الحكومات المبتكرة:
أقامت كلية دبي للإدارة الحكومية في الأسبوع الماضي ندوة حول مفهوم الحكومة المبتكرة، وقد شارك فيها مجموعة كبيرة من المحاضرين من الولايات المتحدة، ومن بعض دول الاتحاد الأوروبي، وكان من الواضح التأثير الذي تركته الأزمة العالمية الأخيرة في تسريع النقاش الدائر حول دور حكومات المستقبل، وأهمية الابتكار في تحديد هذا الدور، وقد كانت الرسالة الأهم التي تم تلخيصها في اليوم الأخير، هي ضرورة العودة للتفكير في مفاهيم الحوكمة ودور الحكومات في مواجهة التحديات، وبالطبع تطرق الحديث للجانب التقني المتعلق بالحكومة الإلكترونية (أو حكومة المعلومات)، ولكن أعتقد أن الفكرة الأكثر وضوحاً كانت تلك التي تبين أن كل هذه المصطلحات ستندثر في النهاية ويبقى مصطلح الحكومة، وكما كنا سابقاً نستخدم مصطلح الكهربائي للإشارة إلى التجهيزات التي تستخدم الكهرباء (ثم توقفنا عن استخدامه بعد أن أصبحت كافة التجهيزات تعمل على الكهرباء)، فإن المستقبل ربما يجعل من كلمة الحكومة والحكومة الإلكترونية متطابقين إلى درجة لا يجد أحد ضرورة للتفريق بين المصطلحين. وهذا بدوره يجعل أي نقاش حول جدوى الحكومة الإلكترونية في غير محله، فالحكومات التي لا تتمكن من تحسين كفاءتها وفعاليتها وشفافيتها لن تكون جزءاً من عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وبالتالي إما أن تقوم هذه الحكومات بإدارة عمليات التنمية بالكفاءة المطلوبة (وهذا يجعل من تحولها الإلكتروني أمراً حتمياً لقيامها بعملها)، أو أن لا تدير عملية التنمية وبالتالي فهي تضعف من دورها المستقبلي، وهذا سينعكس سلباً على مواطني هذه الدولة، وعلى الغالب سيتركز هذا الانعكاس على الشرائح الأفقر التي لن تجد من يتبنى همومها المتعلقة بالعمل والصحة والتعليم.
المستويات الثلاث للتحول:
ربما كانت أعمق محاضرات تلك الندوة هي المحاضرة التي ألقتها الأستاذة جين فونتين مديرة المركز الوطني للحكومة الرقمية في جامعة (ماساتشوسيتس)، حيث ميزت ثلاثة مستويات للتحول وفقاً لما يلي:
المستوى المؤسساتي: وهو المتعلق بالاعتمادات المالية، وآليات الرقابة، وآليات التشريع، وغيرها من النقاط التي ترسم الصورة الكبرى لعمل مؤسسات الدولة المختلفة.
مستوى الإدارة العامة: وهو المتعلق بطرق العمل الداخلي في الإدارات الحكومية من جهة، والعمل فيما بين هذه الجهات، وآليات تطوير ومراكمة الخبرة في كل إدارة.
مستوى الأفراد: وهو المتعلق بالموارد البشرية، وطرق تفاعلها (الرسمية وغير الرسمية)، وآليات التوظيف والتحفيز، والبنى الإدارية وعلاقاتها البينية.
استناداً لهذا التصور، يمكننا إدراك أن أي عملية تحول ناجحة يجب أن تعالج المستويات الثلاث المبينة سابقاً، كما عليها أن تقوم بدراسة العلاقات البينية بين تلك المستويات، وذلك كون هذه المستويات متداخلة فيما بينها، وذلك من خلال مجموعة من الآليات.
تحليل الشبكة الاجتماعية في الإدارات:
قدم الأستاذ فيكتور ماير شونبيرغر مدير مركز أبحاث سياسات الابتكار والمعلومات في الجامعة الوطنية في سنغافورة محاضرة هامة عن الأثر التنموي الإيجابي الناجم عن الابتكار في العمل الحكومي، وعلاقة ذلك بالتحول الحكومي، وقد عالج بالتفصيل المستوى الثالث للتحول والمتعلق بالأفراد وشبكة العلاقات التي تربطهم، حيث بين أن معظم الإدارات تمتلك نوعين من الشبكات الأولى رسمية فوق السطح والأخرى غير رسمية (تحت السطح)، والأداء المؤسساتي يتأثر بشكل كبير بهاتين الشبكتين، ومعظم الصراعات والخلافات ضمن المؤسسة تنجم عن التفاوت بين هاتين الشبكتين، ويمتد ذلك للأفراد وانتماءاتهم المختلفة ضمن الشبكتين، وكان من المفاجئ أنه قد اعتبر أن الشبكة غير الرسمية هي الأكثر قدرة على الابتكار، بينما الشبكة الرسمية ضرورية لتنفيذ المهام الروتينية، وبالتالي فالإدارات بحاجة للشبكتين، والقيادة الناجحة في الإدارات هي تلك القادرة على الاستفادة من هذا التنوع.
الأمية في القرن الحالي:
عالج السيد جوناثان موراي نائب رئيس تقانات القطاع الحكومي في شركة (مايكروسوفت) الترابط بين التحول التكنولوجي والتحول الاقتصادي، وعرض للتقانات التي يمكن أن تساهم في تنفيذ التحول المطلوب بالكفاءة الممكنة، ولكنه ربط ذلك أيضاً بقدرتنا على الابتكار، وقد اقتبس العبارة التالية لآلفين توفلر:
(الأمي في القرن الحادي والعشرين ليس من لا يتقن القراءة والكتابة، ولكنه من لا يتمكن من التعلم ونسيان ما تعلمه والتعلم من جديد)، ومن ثم ربط ذلك بأهمية إعادة التفكير دورياً بالطرق التي نستخدمها لتنفيذ ما هو مطلوب منا عمله.
وختاماً ربما من المفيد أن تقوم كل حكومة بمحاولة للإجابة على الأسئلة والتحديات الكبرى التي تنتظرها، فكلما اشتد التنافس على المستوى العالمي فرض هذا تحديات إضافية على الحكومات، فاستقطاب الاستثمارات والخبرات والتقانات وتوظيف كل ذلك في عملية تنموية فعالة يعتبر التحدي الأكبر الذي تبذل مختلف الحكومات حول العالم جهدها لمواجهته بأفضل طريقة ممكنة، وربما شكلت بعض التغييرات الاقتصادية والتكنولوجية التي حصلت في العالم مؤخراً فرصة يمكن اقتناصها لتحقيق قفزات استثنائية، ولكن هذه القفزات لا يمكن تحقيقها دون وجود مفهوم الحكومة المبتكرة، التي لا تعتقد أن دورها هو تنفيذ التعليمات بل الاستجابة للاحتياجات والتحديات، وتحقيق الأهداف التنموية.
==
المقال منشور في العدد ٣٤٨ من مجلة أبيض و أسود
==
اتفاقية ترخيص هذه المقالة تتبع Attribution Non-commercial No Derivatives Creative Commons license