تخطي الترويسة

العنوان المختصر

قياس الحروف

القياس الراهن: 100%

القطاع العام بين خياري الشراكة والفوضى..

ديسمبر 15, 2009 كتبه م. محمود عنبر

صورة م. محمود عنبر

لماذا لم تنجح الحكومات كمؤسسات استثمارية حول العالم؟ وهل شركات القطاع العام حاجة سياسية أم اقتصادية؟ وكم ستدفع الخزينة ثمناً للخلط الحاصل بين المفاهيم الاقتصادية والاجتماعية وآليات تنفيذها؟

بين الحكومة وشركات القطاع العام:

يعاني الواقع المحلي من الخلط الحاصل بين عمل الحكومة، والمتمثل في كونها السلطة التنفيذية المخولة بتطبيق القوانين، وتحقيق الخطط التنموية، والذي تقوم به المؤسسات ذات الطابع الإداري (ومثلها بعض نشاطات المؤسسات ذات الطابع الاقتصادي)، والتي لا تهدف للربح، ولكنها تغطي تكاليف تشغيلها من الرسوم، وبين الشركات الحكومية ذات الطابع الاقتصادي والتي أنشئت في فترة ما كرد فعل على سيطرة بعض الأفراد على النشاطات الاقتصادية، وقد كانت عمليات التأميم وسيلة لضبط طرق عمل هذه الشركات، كما أنها كانت وسيلة لتمويل الخزينة من أرباح تلك المؤسسات، ويبدو أن التأميم كان الشرارة التي أطلقت استثمارات حكومية واسعة جداً في المجال الاقتصادي، وقد ترافق ذلك مع تحجيم للقطاع الخاص عبر منحه هامشاً محدوداً جداً للحركة، وقد كانت تلك السياسة ناجحة في اللحظة التاريخية التي حصلت بها، واستمر الأمر على هذا المنوال إلى أن بدأت الأمور بالتغير، وبدأ الفساد ينخر هذه الشركات، وهذا الأمر منطقي كون شركات القطاع العام تعاني من غياب التنافسية التي تعتبر البيئة الأفضل لنمو الفساد، وتدريجياً بدأت هذه المؤسسات تفقد دورها في القدرة على فرض السياسات الحكومية، وقد ضعف دور هذه الشركات بحيث أصبحت عبئاً على الحكومة بدلاً من أن تكون داعمة لها، ولاحقاً أصبحت عبئاً على الخزينة، وبالتالي تحولت هذه الشركات لكرة متدحرجة لا يمكن إيقافها، وأصبحت تشكل جرحاً نازفاً في الخزينة، وبالتالي أصبحت أموال الضرائب تهدر في هذه الشركات، وفي حلقات الفساد المرتبطة بها.


القطاع العام كمفهوم:

لا أعتقد بأن أي منا قد يعارض القطاع العام كمفهوم يهدف لمنع الاحتكار، ولتأمين تدخل الدولة الإيجابي في الأسواق، ولتأمين شبكة حماية للطبقات الفقيرة في المجتمع، ولتأمين فرص عمل ينتج عنها دخل كاف يؤمن للمواطن عيشاً كريماً، ولكن الآلية التنفيذية لهذا المفهوم قد فقدت جدواها، وأصبحت غير قادرة على تحقيق أي من الأهداف التي كانت وراء طرح شعار ملكية أدوات الإنتاج، وبالتالي أصبح من الضروري البحث عن آليات جديدة تحقق الأهداف نفسها في ظل المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، وبالتالي فعلى الجهات المتحمسة للقطاع العام أن تحدد فيما إن كانت تدعم المفهوم أم تدعم شركات محددة، وفي حال دعمها لشركات محددة، تصبح مطالبة بتحمل مسؤوليتها التاريخية في عدم التحول إلى أداة بيد الفاسدين الذين يستفيدون من شركات القطاع العام، والذين يستخدمون الشعارات الرنانة حول القطاع العام لحماية سلاسل الفساد التي يشاركون بها، والتي تمتص دماء الشركات العامة وتجعلها خاسرة.

هل الحل في إصلاح الشركات؟

هناك من يجادل بأن هذه الأخطاء لا تبرر التخلص من هذه الشركات، وطالما أن خيار الخصخصة مرفوض (أو غير ممكن)، فالحل هو في إصلاح هذه الشركات، وهنا قد نتقبل هذه الفكرة في حال تم حصرها بقطاع محدد ولاعتبارات يجب أن تكون محددة، وأن تغرف هذه الشركات من صناديق دعم خاصة، وليس من الاعتمادات الاستثمارية السنوية للحكومة، وفي هذا السياق فإننا نعتقد أن الاتجاه للنظر للشركات العامة كوحدة اقتصادية في مجال دفع الضرائب هو أمر غير صحي، ويبطئ عملية تصحيح أوضاع الشركات الخاسرة، ويضعف القدرة التنافسية للصناعة السورية. الأمر نفسه ينطبق على القرارات التي صدرت مؤخراً، والتي تتضمن تحويلاً محاسبياً للشركات الخاسرة إلى شركات رابحة، بما يخالف الأسس المعتمدة عالمياً في المعايير المحاسبية، ولهذا فالشركات يجب أن تعمل وفق قانون الشركات المعمول به، ووفق الأسس المحاسبية المتعارف عليها، وبالتالي فالشركة التي تخسر يجب أن يكون هناك آلية لإغلاقها، ولا يمكن أن تكافأ على الخسارة بتمويل إضافي، وهنا قد يتبادر للذهن فكرة الهدف الاجتماعي لبعض الشركات، وهذا الأمر (إن وجد)، فهو خاطئ، ويجب فصل الدعم عن مقدم الخدمة، فالمواطن يهتم بالدعم الذي سيحصل عليه وليس بالآلية الإدارية التي تقف خلفه.

العلاقة الحالية بين القطاعين العام والخاص:

تعاني العلاقة بين القطاعين العام والخاص الآن من عدم توازن، فالقطاع العام مثقل بالصلاحيات والقطاع الخاص مثقل بالخبرات (أو علـــــى الأقـــــل القـــــدرة علـــــى اســــتقطاب الخبرات)، وسبب صلاحيات القطاع العام الزائدة يعود للقوانين الاحتكارية التي بنيت خلال سنوات، والتي رغم كل ما يذكر عن الانفتاح مازال معظمها موجوداً، أما الخبرات فقد هجرت القطاع العام بسبب قانون العاملين الموحد الذي يتعامل مع العاملين بغض النظر عن أهميتهم للعمل، أما القطاع الخاص فيتغلب على نقص صلاحياته بفارق الخبرات والتمويل الذي لديه، وفي هذه المعادلة الخاطئة يلاحظ أن القطاع الخاص أمام أحد خيارين إما العمل وفق القوانين الحالية، وبالتالي على الغالب لن يجد فرصة للعمل بسبب فقدانه للصلاحيات ولفرص العمل، وإما استغلال الصلاحيات المتاحة لدى القطاع العام، وبالتالي الدخول في سلسلة الفساد التي تسمح له باستكمال عوامل النجاح. إن استمرار هذه العلاقة غير الصحية بين القطاعين لا تؤدي فقط لإفلاس الخزينة، واضطرار الحكومة لرفع الضرائب لتغطية العجوزات الناجمة عن المشكلة السابقة، ولكنها تفقد قدرة الدولة على إدارة مواردها بالشكل المطلوب، مما يعني في النهاية الفوضى الاقتصادية والاجتماعية.

بين الشراكة والفوضى:

كما بينا سابقاً، فإن استمرار الأسلوب الحالي من العلاقة الخفية وغير القانونية بين عوامل النجاح في كلا القطاعين العام والخاص ستقود للفوضى، وبالتالي فالبديل يكون في تنظيم العلاقة بطريقة تسمح بحماية حقوق الدولة أولاً والخزينة ثانياً، ومصالح القطاع الخاص ثالثاً، ونعتقد أن هذا النوع من الشراكة يتضمن فيما يتضمن آليات لفصل الإدارة عن الملكية، وآليات لاستقطاب تمويل يتناسب مع معدلات وتوجهات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وبالتالي فالشراكة هي طوق النجاة للقطاع العام (كمفهوم)، وليس كشركات.

أين تكمن القضية المخفية في الشراكة:

إن التحدي الأكبر في نجاح عمليات الشراكة يكمن في عدم تحولها لغطاء لاحتكار قطاعات محددة، وفي عدم تحول الشراكة إلى أداة لاستنزاف الخزينة بأطر قانونية، وبالتالي فإن أهم مقومات نجاح عملية الشراكة يكمن في الآليات التي ستختار الجهة الخاصة التي ستشارك الجهة العامة في تقديم الخدمة، وفي الشروط التي ستوضع لهذه الشراكة، ومن ضمنها الشروط المتعلقة بمستوى الخدمة، وهذا يعيدنا إلى أن نجاح عملية الشراكة يتطلب وجود خبرات في الجهاز الحكومي قادرة على تحديد المحاور التنموية التي تتطلب استخدام مفهوم الشراكة مع المبررات الاقتصادية والفنية، ومن ثم وضع الأسس التي ستتم عملية الشراكة من خلالها، والقيام بعملية الاختيار للشريك المحتمل، ومتابعته أثناء عملية تنفيذه لالتزاماته، وكل هذه الأمور تحدث على الغالب من قبل مجالس للشراكة تتضمن خبرات من مستوى مرتفع، وبالتالي ما لم تفتح الحكومة سقوف التعاقد مع الخبراء، لتتمكن من الحصول على الخبرات المطلوبة، فإنها ستهدر المليارات في توقيع اتفاقات شراكة غير متكافئة، وبالتالي تفقد عملية الشراكة أهم مقوماتها.

==

المقال منشور في العدد ٣٢٥ من مجلة أبيض و أسود

==

عن الكاتب
User picture

مهندس و استشاري و كاتب متخصص في التقانة و الأداء المؤسساتي و في قضايا التنمية و آثارها الاجتماعية. 

Creative Commons license icon Creative Commons license icon Creative Commons license icon
اتفاقية ترخيص هذه المقالة تتبع Attribution Non-commercial No Derivatives Creative Commons license

Premium Drupal Themes by Adaptivethemes