هل أصبح هناك اتفاق على نقاط ضعف الاقتصاد السوري؟ وهل تم تحديد طرق المعالجة؟ وهل خرجنا من عقدة تبادل المسؤوليات إلى ترسيخ مفاهيم العمل الجماعي، وهل سيجد المواطن ثمرة بعد تحمله للألم الناجم عن عملية الإصلاح؟
الاقتصاد السوري وفقاً لهيئة تخطيط الدولة:
لقد شخص الدكتور عامر لطفي رئيس هيئة تخطيط الدولة بدقة التوجهات الكفيلة بمعالجة نقاط الضعف في الاقتصاد السوري حين أشار في حديث له نشر في صحيفة البعث إلى ضرورة (التركيز على التنمية البشرية وتخفيف الفوارق التنموية بين المحافظات إضافة للاستثمار في قطاعات الاقتصاد الحقيقي التي تولد فرص العمل) ونعتقد أن هذه العبارة تحمل تلميحاً ضمنياً إلى ما لم يحصل بالشكل المطلوب في الخطة الخمسية العاشرة، وقد أردف قائلاً: (السنوات الخمس الماضية كانت صعبة وقاسية على الحكومة السوريّة ورغم «التحديات» استمرت مسيرة «الإصلاح» لتحقيق الانتقال إلى «الاقتصاد الجديد»)، وأوضح أنه (ونحن على أبواب إنجاز خطة خمسية جديدة لابدّ من أن تكون مكملة لما تحقق في الخطة العاشرة وأن تستجيب لحاجات الطبقات الهشة)، كما رسم الدكتور لطفي خطة التحرك وفقاً لما يلي:
(الإنفاق على التنمية البشرية من خلال التربية والتعليم والصحة والثقافة والحماية الاجتماعية سيبلغ «30 %» من إجمالي الإنفاق الحكومي خلال الخطة الحادية عشرة و»33 %» على البنى التحتية والجزء المتبقي سيخصص للإنفاق على الاستثمار في قطاعات الاقتصاد وإيلاء الأهمية لقطاع الزراعة لتحقيق الأمن الغذائي وكذلك الصناعات التحويلية باعتبارها محرك النمو الاقتصادي).
إن النقاط السابقة شديدة الأهمية، ولكننا نعتقد أنها تحتاج لنقاط مكملة لإطلاق العنان للاقتصاد السوري، وذلك كون نمو الاقتصاد السوري لم يعد (شئنا أم أبينا) ينفذ من خلال الإنفاق الحكومي فقط، فالدور الاستثماري للحكومة يتراجع لصالح الاستثمارات الخاصة، ويفترض أن يتقدم دور الحكومة الناظم والمنسق (Regulator and Coordinator)، وبالتالي نعتقد بضرورة إضافة مكونات أخرى إلى ما ذكر، ويبدو أن هذه النقطة لم تغب عن الهيئة حيث ورد في النص نفسه ما يمكن اعتباره آلية متقدمة للتواصل وفقاً لما يلي:
(سيتم عقد ورشتي عمل أولي تدعى إليها فعاليات المجتمع لعرض الأهداف والاستراتيجيات والسياسات والاستماع إلى ملاحظاتهم والأخرى تخصص للإعلاميين لمناقشة الخطة وتقديم الملاحظات ليصار بعد ذلك إجراء التعديلات اللازمة بما لا يشوه الخطة).
عثرات الخطة الخمسية العاشرة:
لقد حفلت السنوات السابقة بنقاش حول الخطة الخمسية العاشرة، وقد حاول البعض تحميل الخطة أكثر مما تحتمل، ويبدو أن البعض حاول دمج مفهومي وضع الخطة وتنفيذ الخطة، وبالتالي التغطية على المشكلة الحقيقية التي نعاني منها، وهي الفجوة الكبيرة بين ما يخطط له وما يتم تنفيذه على الأرض، ولكن بسبب عدم وجود مصطلح لما يتم تنفيذه، فقد جرت العادة على انتقاد الخطة وليس ما نفذ وما لم ينفذ منها. واستناداً لهذا التمييز يمكننا فهم ما حصل بشكل أوضح، فالإصلاحات الاقتصادية (التي تم تنفيذها على الأرض) قصد بها قضايا اقتصادية بحتة مثل ميزان المدفوعات ومعدل النمو والسياسة الضريبية، أي أن معظم هذه الإصلاحات يمكن تشبيهها بتصميم الهيكل الخارجي للسيارة (أو إصلاح التشوهات في الهيكل الحالي)، وبالتالي تظهر صورة السيارة جميلة، وقادرة تصميمياً على السير بأقل مقاومة هواء، ولكن ماذا عن محرك (أو محركات) السيارة؟ أي هل تم العمل على تطوير محركات الاقتصاد السوري؟
محركات الاقتصاد وكيفية إطلاقها:
أعتقد أنه هناك شبه اتفاق حول الضعف الذي يعتري محركات الاقتصاد في سوريا، وهي التي وضعها السيد رئيس هيئة تخطط الدولة تحت مصطلحي الاقتصاد الحقيقي والتنمية البشرية، أي الزراعة والصناعة والتعليم، إذ في ظل المنافسة والتحديات المناخية والمائية والبيئية وتحديات العولمة لا يمكننا تخيل نجاح قطاعي الزراعة والصناعة في ظل نظام تعليمي غير متطور، ورغم أهمية اقتصاد الخدمات، إلا أنه يأتي مكملاً لقطاعات الاقتصاد الحقيقي، والمشكلة في سوريا هي في أن الاستثمارات الحكومية كانت مستنزفة في استثمارات سابقة (غير ناجحة)، بينما القطاع الخاص قد استثمر في اقتصاد الخدمات وليس في الاقتصاد الحقيقي، وهذا طبيعي بسبب سهولة هذه الاستثمارات وسرعة استرجاعها وقلة مخاطرها، ولكن للأسف فالأداء في محاور الزراعة والصناعة والتعليم (قبل الجامعي والجامعي) كان دون المأمول (بقطاعيه العام والخاص)، ونعتقد أنه بالرغم من استقرار السياسات خلال الخطة الخمسية العاشرة في هذه المحاور، إلا أن النتيجة دلت على أن السياسات كانت خاطئة، ومختلفة عن النظرة التنموية التي كان يجب أن تحصل وفقاً للخطة الخمسية العاشرة، إذ يبدو أن هذه المحركات تناسب دراجة هوائية، وأصبح لدينا تلك الفجوة بين هيكل السيارة وقدرات محركاتها.
كيف نعالج المشكلة؟
أعتقد أن النقطة الأولى في معالجة هذه المشكلة تكمن في إعادة النظر في دور هيئة تخطيط الدولة في الإشراف على الخطط الخمسية والسنوية، وذلك باتجاه توسيعه بحيث يتحول إلى لعب دور رقابي على أعمال التنفيذ على المستويين الاستراتيجي والتكتيكي، وهذه الرقابة لا تقتصر على البرامج والمشاريع التي تنفذها الوزارات، ولكنها تمتد للتشريعات التي تطرحها الوزارات في إطار انتقال دور الدولة إلى الدور الناظم، وبالتالي مدى قدرة هذه التشريعات على استقطاب وتوجيه الاستثمارات الخاصة بما يخدم التوجهات التنموية، فالهيئة هي الجهة القادرة على لعب دور عابر للوزارات بحيث يمكنها معرفة العلاقة بين التقدم على المحاور المختلفة، وطبعاً يتم ذلك من خلال نظام للرصد والتقويم.
ومن ناحية أخرى، فإن فعالية أنظمة الرصد والتقويم تتطلب وجود آلية تدخل فاعلة لتصحيح الخلل عند اكتشافه، وهذا لن يكون ممكناً في ظل غياب تنظيمات للبرامج والمشاريع، وبالتالي لابد من إصدار قرار تنظيمي يحدد أسس إقامة البرامج والمشاريع، وآليات تنفيذها وارتباطها مع آليات الرصد والتقويم، مع معالجة الخلل الذي ينجم عن الإقرار المسبق للخطة السنوية الأولى كما سنبين لاحقاً.
طبعاً ما طرحناه سابقاً لا يشكل تغييراً محدوداً في العمل، ولكنه تغيير واسع وضروري لردم الفجوة بين عمليات التخطيط والتنفيذ، ولتتمكن الهيئة من لعب هذا الدور نعتقد بضرورة خروج موظفي الهيئة من قانون العاملين الموحد وإخضاعهم لقانون مستقل يلغي سقف الرواتب والتعويضات ويمنح الهيئة المرونة الكفيلة باستقطاب الخبرات الضرورية لإنجاز هذا العمل الدقيق والاستراتيجي الذي يتطلبه وضع الأطر التنفيذية الضرورية لتنفيذ الخطة الخمسية الحادية عشرة. بالإضافة للعمل الدقيق الذي يتطلبه ترميم وتوجيه وترشيد موازنة عام (2011) (التي أقرت مؤخراً بشكل استباقي) بما ينسجم مع توجهات الخطة الخمسية الحادية عشرة التي سيتم إقرارها لاحقاً، وهذا العمل قد يشكل نقطة مفصلية لتحديد إمكانية تنفيذ الخطة الخمسية الحادية عشرة، مع التذكير بما حصل عام (2006)، ومدى تأثير ما حصل في ذلك العام على آلية وتوجهات تنفيذ الخطة الخمسية العاشرة.
وهنا ربما يجب الإشارة إلى أن مسودة الخطة السنوية لعام (2011) قد تضمنت الأولويات التالية:
ملامح الموازنة العامة للدولة لعام (2011)
بلغ الحجم الإجمالي للموازنة (835) مليار ليرة سوريّة منها (380) مليار ليرة سوريّة للنفقات الاستثمارية.
أُعطيت الأوّلية في الإنفاق الاستثماري للقطاعات التالية:
(50) مليار ليرة سوريّة للإدارة المحلية: سكن عشوائي، خدمات فنية، مشروعات محلية.
(50) مليار ليرة سوريّة لقطاع الكهرباء: محطات توليد ونقل وتوزيع الطاقة الكهربائية.
(30) مليار ليرة للإسكان والمرافق: مياه شرب، صرف صحي، سكن.
(24) مليار دولار لقطاع النقل:طرق مركزية، عقد طرقية، سكك حديدية.
(20) مليار دولار لقطاع الري: استصلاح أراضي، سدود، جر مياه دجلة إلى الحسكة.
(22) مليار ليرة سوريّة لقطاع النفط والصناعة الاستخراجية.
وُضع احتياطي خاص في الموازنة يبلغ (46.9) مليار ليرة كتمويل إضافي لبعض المشاريع في عام (2011)، توزع حسب الأوليات المنسجمة مع الخطة الخمسية.
وختاماً:
هناك عمل لابد منه في تنفيذ الخطة الخمسية لتطوير قطاعات الاقتصاد الحقيقي، وهذا أمر لن يمكننا تغطيته هنا، ولكن يجب أن يكون مجهر الهيئة مركزاً على القطاعات السابقة، وبشكل خاص ما يتعلق بخطة العام (2011) (والتي لا يبدو أنها تركز على تطوير قطاعات الاقتصاد الحقيقي والتنمية البشرية كما تقترح الخطة الخمسية الحادية عشرة)، ومن المفيد التذكير بأن المشاريع تستغرق فترة أطول مما هو مخطط له، وذلك بسبب عدم استكمال منظومات التخطيط الاستراتيجي، حيث يحتاج كل مشروع لمشروع آخر أو مشاريع داعمة، وبالتالي سنكتشف أن إقرار موازنة عام (2011)، يعتبر بمثابة توجيه للخطة الخمسية الحادية عشرة وليس العكس.
==
المقال منشور في العدد 376 من مجلة أبيض و أسود
==
اتفاقية ترخيص هذه المقالة تتبع Attribution Non-commercial No Derivatives Creative Commons license