يعتبر "سافاري الاستراتيجية: رحلة إلى مجاهل الإدارة الاستراتيجية" من أهم الكتب التي تلخص الإدارة الاستراتيجية و مذاهبها و مدارسها الفكرية المختلفة، محاولاً بذلك وضع تصنيف شامل يهتدي من خلاله الأكاديميون و الإداريون إلى معرفة الجوانب المختلفة من الإدارة الاستراتيجية، و ذلك بأسلوب واضح و مرح و مع التركيز على الجانب العملي.
يبدأ الكتاب بقصيدة الشاعر جون ساكس عن العميان الذين حاولوا وصف فيل، و وصف كل منهم الجانب الذي لمسه، فمن لمس الخرطوم اعتقد أن الفيل مثل الأفعى، و من لمس الناب ظن أن الفيل كالرمح، و من تحسس أذنه أكد أن الفيل هو كالمروحة... اختلفوا في نقاشهم و كان كلهم على صواب، و كلهم على خطأ في نفس الوقت، فكلهم فهم جزءاً من الفيل و غابت عنه الصورة الشاملة. و لتلافي هذه المشكلة في مجال الإدارة الاستراتيجية انطلق المؤلفون منتزبرغ، أهلستراند و لامبل في رحلة تصف الأجزاء المختلفة من "فيل الإدارة الاستراتيجية"، مؤكدين أن الفيل ليس الأجزاء و حسب، بل هو أكبر من ذلك، و لكن فهم الفيل يتطلب فهم كل أجزاءه.
و لكن قبل وصف هذه الاجزاء، حدد المؤلفون خمس طرق مختلفة يمكن النظر إلى الاستراتيجية من خلالها "the 5 P's of strategy"، وهي:
1- خطة plan: الاستراتيجية خطة تمثل دليلاً لمسار العمل، أو ممراً من الحالة الراهنة إلى حالة مستقبلية مطلوبة.
٢- نموذج pattern: الاستراتيجية هي نموذج متناسق من السلوك عبر الزمن، فالشركة التي تقوم باستمرار ببيع المنتجات الأغلى في السوق تتبع ما يسمى باستراتيجية الحد اﻷعلى، و الشخص الذي يأخذ باستمرار المهام اﻷكثر مخاطرة هو شخص يتبع استراتيجية مخاطرة عالية.
3- موقع position: الاستراتيجية هي موقع منتجات معينة في أسواق معينة.
4- وجهة نظر perspective: الاستراتيجية هنا هي فلسفة معينة لممارسة العمل التجاري من حيث: التعامل مع الزبون أو الطرق التي يتم من خلالها تقديم السلع و الخدمات.
5- مناورة ploy: و هنا تكون الاستراتيجية طريقة لاكتساب حصة من السوق من خلال مناورة محددة للتغلب على منافس أو خصم.
كما يحدد الكتاب و منذ البداية محاسن و مساوئ الأسباب المختلفة التي تبرر استخدام التخطيط الاستراتيجي:
1- الاستراتيجية تضع الاتجاه: و الفائدة من ذلك واضحة، و لكن الخطر هو قيود الرؤية التي تفرضها الخطة الاستراتيجية على المنظمة، مما يصعب عليها أن تقيم الفرص و الإمكانيات الجديدة التي تظهر أمامها.
2- الاستراتيجية تركز الجهود: صحيح، و لكن الخطر يكمن في أن المنظمة قد تحبس في نوع من التفكير الجماعي مما يضيع أيضاً الفرص الجديدة المحتملة.
3- الاستراتيجية تحدد المنظمة: صحيح بدرجة ما و لكن الخطر هنا أن التنوع الغني الموروث ضمن المنظمة قد يتم تجاهله أو يضيع من خلال صورة نمطية مبسطة جداً تمثل "ما هي المنظمة".
4- الاستراتيجية تضمن التجانس : مهم طبعاً، و لكن التجانس كهدف بحد ذاته، مع غياب الهدف السوقي الواضح وراء ذلك، هو خطر واضح.
لذلك فمن الواضح أن المؤلفين لا يعتبرون التخطيط الاستراتيجي أمراً جيداً في كل الحالات فهم يوضحون أن هناك أخطاراً ترافق المنهجيات شديدة الصرامة و العقلانية.
ينطلق الكتاب بعد ذلك في مهمته الأساسية بعرض المنهجيات المختلفة للتخطيط الاستراتيجي حيث حدد عشر مدارس فكرية مختلفة له، واصفين تاريخها و أصلها، المبادئ الأساسية لها، تطبيقاتها، مزاياها و مساوئها، و الحالات الأنسب التي يمكن استخدام كل مدرسة فيها. مميزين بين 3 فئات منها: المدارس الثلاثة اﻷولى هي ارشادية و الستة التالية مدارس وصفية. حيث تحاول المدارس الارشادية أن تضع ارشادات و توجيهات لتقوم المنظمة باتباعها بما يتوافق مع وضعها الحالي و حالة البيئة التي تمارس أعمالها فيها، أما المدارس الوصفية فتحاول فهم اﻷسباب التاريخية التي أدت إلى قيام منظمة معينة باتخاذ استراتيجية ما في لحظة من الزمن.
أولاً) المدارس الارشادية:
1- مدرسة التصميم: و من روادها سلزنيك 1957 Selznick و أندروز 1965 Andrews و قد ظهرت في الستينات و تعتبر المدرستان الارشاديتان الباقيتان مشتقة منها. وهي تنظر إلى وضع الاستراتيجية على أنها عملية صياغة يتم فيها ملائمة الوضع الداخلي للشركة مع الحالة الخارجية في البيئة، حيث تصمم استراتيجية المنظمة بحيث تمثل أكبر درجة من التوافق بينهما. و الشخص اﻷكثر أهمية هنا هو المدير الذي يلعب دور "المهندس المعماري" الذي يبني هذه الخطة. و يمكن تشبيه صياغة الاستراتيجية هنا بالعنكبوت الذي يغزل شبكته منعزلاً، شبكة قوية و قادرة على استغلال نقاط قوتها.
2- مدرسة التخطيط: و التي ظهرت أيضاً في الستينات و كان أنسوف Ansoff 1965 من روادها، و انتشرت بشكل كبير في السبعينات، وهنا ينظر إلى الاستراتيجية كعملية منهجية لها مجموعة من الخطوات الصارمة تبدأ بتحليل الوضع الراهن و تمر بتصميم و اختبار سيناريوهات بديلة مختلفة، أي أن وضع الاستراتيجية هنا هو قيام المخططين بوضع خطط تقسم إلى برامج و استراتيجيات فرعية، و هي عادة ما تكون خطط مرحلية و متتالية. و يمكن تشبيه صياغة الاستراتيجية هنا بالسنجاب الذي يجمع و يرتب ما يراه من طعام استعداداً للشهور القادمة.
3- مدرسة الإحلال: و هي متأثرة إلى حد كبير بأعمال مايكل بورتر 1980 و 1985، و أكثر التصاقاً بعلم الاقتصاد و بعلوم التخطيط العسكري، فهي أقل اهتماماً من سابقتيها بعملية صياغة الاستراتيجية، و مهتمة أكثر بمحتوى هذه الاستراتيجية. حيث يكون وضع الاستراتيجية هنا هو اختيار الموقع الاستراتيجي الملائم للشركة ضمن السوق الاقتصادية. و البحث عن طرق تستطيع فيها الشركة أن تحسن من موقعها التنافسي في هذا السوق، و هو ما يقوم به المحللون و المستشارون و الكتاب العسكريون، حيث كانوا يصفون مواقع استراتيجية و تنافسية عامة، و مناورات للوصول إلى هذه المواقع. و يمكن تشبيه صياغة الاستراتيجية هنا بجاموس الماء الذي يتجاهل كل ما حوله جالساً برضى في المكان الذي اختاره بعناية دون أن يتأثر بسهولة بما يجري من حوله.
ثانياً) المدارس الوصفية: و بها مدرستان تركزان على الفرد، و أربعة تركز على الجماعة:
أ) مدارس الفرد:
4- مدرسة المشاريع: و هذه المدرسة متأثرة بأعمال الاقتصاديين شومبيتر 1950 و كول 1959. حيث أن وضع الاستراتيجية هنا هو عملية تفكير خلاقة تمتاز ببعد النظر يقوم بها مؤسس المنظمة أو قائد المنظمة بشخصيته المبادرة، و هي بالتالي شخصية و تتطلب قائداً متميزاً ذا رؤية بعيدة. و يمكن تشبيه صياغة الاستراتيجية هنا بذئب وحيد رأى ان عليه أن يتخلى عن منافسة اﻷسود على الغزلان، طالما أنه يقدر الحصول على جاموس الماء بأكمله لنفسه، رغم خطورة ذلك.
5- المدرسة الإدراكية: بما أن الدماغ البشري هو المكان الذي يتم فيه وضع الاستراتيجية فهذه المدرسة تناوله بالدراسة، و تستخدم في ذلك أدوات علم النفس الإدراكي لفهم كيفية عمل هذا الدماغ، و هي مرتكزة على كتابات هربرت سيمون 1947 و بالأخص كتاب مارش و سايمون عام 1958،حيث أن المطلوب هنا هو فهم كيفية استيعاب اﻷفراد للنماذج و كيف يعالجون المعلومات، و هو ما تصدى للقيام به رواد نظم المعلومات و بعض الفلاسفة. و يمكن تشبيه صياغة الاستراتيجية هنا بطائر البوم الحكيم، الذي يتخذ مكانه في أعلى الشجرة و يراقب كل ما حوله، رغم أن ما يصل إليه من استنتاجات قد يكون مجرد صورة متخيلة.
ب) مدارس الجماعة:
6- مدرسة التعلم: بالنسبة لهذه المدرسة فالعالم معقد جداً مما لا يسمح بوضع الاستراتيجية دفعة واحدة، و بالتالي فالاستراتيجيات تنبثق بخطوات صغيرة متتالية تتعلم المنظمة فيها شيئاً فشيئاً ما الذي ينجح و ما الذي لا ينجح و تضع الدروس التي تعلمتها ضمن خطة عملها. و قد تأثرت هذه المدرسة خصوصاً بكتابات ليندبلوم 1959 و سيرت و مارش 1963 و فايك Weick 1969، و كانت أكثر شيوعاً في اليابان و الدول الاسكندنافية، و متأثرةً بنظرية الشواش في الرياضيات. و يمكن تشبيه صياغة الاستراتيجية هنا بقبيلة من القرود التي تتدلى من اﻷشجار لاهية و تغير من سلوكها بناء على ما تعلمته بنفسها أو تعلمه آخرون.
7- مدرسة القوة: صياغة الاستراتيجية هي عملية تفاوض بين مجموعات ضمن المنظمة أو بين المنظمة و اشخاص و منظمات خارجية. و هذه المدرسة متأثرة بكتابات أليسون 1971 على صعيد الفرد، و بفيفر و سالانيك 1978 على صعيد المنظمة، كما أنها تجد جذورها في علوم السياسة، و كانت مدرسة سائدة في فرنسا تعتبر عملية وضع الاستراتيجيا عملية نزاع و تضارب بين اللاعبين المختلفين، و تعتبر الاستراتيجية نماذجاً من التعاون و النزاع و المناورات الظاهرة و الخفية بين اللاعبين. و يمكن تشبيه صياغة الاستراتيجية هنا بقطيع من اﻷسود التي ترمق الغزلان ترعى لتختار أيها يمكن أن يكون فريسة مناسبة، بينما تتلفت اﻷسود الفتية أيضاً فيما بينها متساءلة عمن سينال نصيبه من الفريسة أولاً.
8- مدرسة الثقافة: صياغة الاستراتيجية هي عملية جماعية تضم مجموعات و أقسام مختلفة ضمن الشركة، و بالتالي فوضع الاستراتيجية يعكس الثقافة التنظيمية الموجودة ضمن هذه الشركة. و يمكن تشبيه صياغة الاستراتيجية هنا بالطاووس الذي لا يبالي بما حوله و يبقى مشغولا بكيف يبدو جميلاً!
9- المدرسة البيئية: صياغة الاستراتيجية هي عملية رد فعل على التحديات التي تفرضها البيئة الخارجية، لذلك يجب فهم هذه الضغوط و التحديات. و يمكن تشبيه صياغة الاستراتيجية هنا بالنعامة التي لا تبالي بما حولها و لا تنظر إلا في الأرض، و هذا أمر خطر في مجاهل الإدارة الاستراتيجية!
ثالثاً) المدرسة التركيبية:
10- المدرسة التركيبية: و هي المدرسة التي تحاول أن تضم كل المدارس السابقة، حيث توضع الاستراتيجية لتغيير بنية صنع القرار داخل المنظمة من نوع إلى آخر. حيث تحاول هذه المدرسة أن تضع "الأجزاء المختلفة من الفيل" (كـعملية صنع القرار، و محتوى الاستراتيجية و البنى التنظيمية ضمن المنظمة و السياق ) في مراحل أو حلقات مختلفة، كمرحلة نمو المشاريع الناشئة أو مرحلة الاستقرار الناضج، كما تضع هذه المراحل أحياناً ضمن تسلسل زمني لتصف دورة حياة المنظمة. أما إذا كانت المنظمة مستقرة، فوضع الاستراتيجية يصف انتقال المنظمة من مرحلة إلى أخرى. كما أن جانباً آخر من هذه المدرسة يعتبر وضع الاستراتيجية عملية تحويل مما يحتوي معظم الأبحاث في المدارس الارشادية إضافة إلى الممارسات المتعلقة بالتغيير الاستراتيجي. و يمكن تشبيه صياغة الاستراتيجية هنا بالحرباء، تتغير كثيراً و لكنها في النهاية لا تختلف بشكل كبير.
إذاً لم يكن هناك فيل، فالفيل هو نظام معقد ينمو و يتطور، و هذا يصح على كل فيل وعلى كل نوع الحيوانات التي تسمى بالفيلة. فالحيوان الذي حاول العميان وصفه كان نتيجة لعملية تطور طويلة، و كذلك الحالة مع الإدارة الاستراتيجية التي بدأت بشكل بسيط في بداية الستينات، و تطورت بشكل كبير، لذلك، و رغم أن الكتاب لم يقدم لنا الفيل بأكمله، فقد سلط الضوء على أجزاءه المختلفة، مما يجعل من هذا الكتاب قراءة أساسية لكل ممارسي و باحثي الإدارة الاستراتيجية.