تخطي الترويسة

العنوان المختصر

قياس الحروف

القياس الراهن: 100%

صناعة المعرفة في سوريا

يونيو 14, 2010 كتبه م. محمود عنبر

صورة م. محمود عنبر

لماذا لم نتمكن من إطلاق صناعة معرفية في سوريا حتى الآن؟ وهل المشكلة في ضعف الخطط المتعلقة بالموضوع؟ أم في غيابها؟ أم في غياب آلياتها التنفيذية؟ وأي مستقبل ينتظر الأجيال الشابة في ظل غياب صناعة المعرفة؟


لماذا صناعة المعرفة؟

ربما من المفيد التذكير بمعدلات نمو الشرائح الشابة في سوريا، والتي تزداد بمعدلات كبيرة نسبياً، وستشكل الشرائح الشابة معظم عدد السكان في الأعوام العشرة القادمة. ويترافق ذلك مع تحرك معاكس لحجم الموارد الباطنية المتاحة، مثل البترول والمياه مما يجعل من المعادلات السابقة (والحالية)، غير مجدية في أي تخطيط مستقبلي. ولذلك لابد من التفكير بوسيلة تؤدي لزيادة الثروة في المجتمع، ولتحسين عمليات إدارة الموارد الباطنية، بما يسمح بالانتقال من مصاف الدول التي تعتمد على مواردها الباطنية إلى دولة تعتمد على مواردها الفكرية. ما المقصود بصناعة المعرفة؟ إن أبسط طريقة لقياس مدى اعتماد اقتصاد ما على المعرفة، هي من خلال تحديد نسبة الناتج الإجمالي الناجمة عن تداول المعلومات، ورغم إمكانية تحقيق قفزات سريعة في بعض مناحي اقتصاد المعرفة، فإن محاور أخرى تتطلب تغييرات يمكن وصفها بالثورية، وما لم يحصل ذلك فعلينا توقع مستقبل صعب للأجيال القادمة، ونبين فيما يلي أهم المحاور الاستراتيجية التي نعتقد أنه يجب العمل عليها.

إدارة الموارد المائية:

من المستغرب أن تقع سوريا في هذه المنطقة من العالم، التي تعاني من شح واضح في مواردها المائية، وبالرغم من ذلك لا يشكل محور إدارة المياه أحد المحاور الاستراتيجية فيها، وإن أضفنا لذلك الخطط المعلنة (وغير المعلنة) التي تقوم بها الدول المجاورة لتغطية عجوزاتها المائية، ومدى غياب العمل السوري في هذا المجال، ومعدلات الهدر في إدارة المياه، ومدى انخفاض استخدامنا لتقانات إعادة استخدام المياه، يبين الفرص المهدورة في مساهمة المياه في عملية التنمية، فالزراعة والصناعة تعتمد بشكل رئيس على المياه، واستخدام الطرق التقليدية قد وصل لنهايته، ولهذا علينا الاعتماد على المكونات التكنولوجية والفكرية في تحسين معدلات استخدام المياه، وبالتالي التأثير بشكل واضح على الناتج المحلي الإجمالي (من جهة)، ومواجهة التحديات البيئية والاجتماعية التي تنجم عن العجز المائي من جهة أخرى.

منظومة العلوم والتكنولوجيا:

لابد من الاعتراف بأن التعليم العالي قد شهد قفزة ملحوظة في السنوات الماضية، أما التعليم ما قبل الجامعي فقد شهد تردياً ملحوظاً في الفترة نفسها (راجع مقال إعادة بناء النظام التعليمي للكاتب في العدد السابق من المجلة)، كما أن التعليم الجامعي لم يتمكن بالفعل من دخول معترك البحث العلمي بشكل جدي، ومازالت المحاولات خجولة وفي بدايتها، وإن أضفنا لذلك محدودية وضعف تأثير المؤسسات الوسيطة (الحاضنات)، يتبين لدينا أنه مازال هناك الكثير مما يتطلب إنجازه في حال أردنا دعم الصناعات المعرفية بمجالاتها المختلفة. صناعة البرمجيات والخدمات البرمجية: لقد سررت بالنتائج الإيجابية التي حصلت عليها الشركات الثماني التي انضمت لبرنامج نضج القدرات في مجال البرمجيات (CMMI)، ورغم التأكيد على أهمية هذا المشروع الذي طرح من قبل وزارة الاتصالات والتقانة والجمعية العلمية السوريّة للمعلوماتية، إلا أنه لابد من الإشارة إلى أنه غير كاف بحد ذاته لإطلاق صناعة البرمجيات في سوريا، وقد عادت بي الذاكرة إلى العام (2003)، عندما ساهمنا في إطلاق منتدى صناعة البرمجيات، والذي كان مبادرة تضم الشركات والخبراء العاملين في هذا المجال، وكان المفترض أن يشكل نواة لمبادرة متكاملة لصناعة البرمجيات، ولكن للأسف فبسبب غياب التمويل وتفاوت الأولويات، تحول المنتدى بعد سنوات من إنشائه إلى مجرد تجمع لشركات لا يجمعها هدف مشترك، وبالتالي فقد المنتدى جدواه، وأصبح من الضروري إعادة تصويب هذه المبادرة بالشكل الذي تراه الجهات المعنية مناسباً. فما يهمنا هو إطلاق مبادرة لصناعة البرمجيات السوريّة تدعم صناعة خدمات برمجية، وللجهات التي تمتلك التمويل اختيار الطرق التي تعتقدها مناسبة لتحقيق ذلك، رغم أننا نخشى من تكرار الخطأ الذي وقعت به الصناعات التقليدية في سوريا حينما اعتبرت أن حصولها على شهادات الأيزو (ISO 9000)، الخاصة بضمان الجودة يعني أنها قد أصبحت قادرة على المنافسة والبقاء، وهذا الخطأ كلف صناعتنا سنوات مهدورة لتواجه بعد ذلك التحديات التنافسية بصدور عارية، وإن الاقتصار على نموذج نضج القدرة في صناعة البرمجيات سيقودنا لنتيجة مشابهة حتماً. ومن ناحية أخرى، هناك بعض الخطوات الإيجابية الأخرى التي تتم بالتعاون بين الوزارة والجمعية مثل معايير تقانات المعلومات والاتصالات، ودراسة واقع سوق المعلوماتية، ومحاولات إطلاق عملية نقل للمعرفة وبرامج تعاون في مجال برمجيات المصادر المفتوحة بالتعاون مع جمعية (LiSOG) الألمانية، إلا أن هذه الجهود مازالت تعتبر مجموعة من النشاطات المتفرقة التي قد لا تؤدي للنتيجة المطلوبة، إن لم تمتلك الإطار الاستراتيجي المناسب.

صناعة المحتوى الرقمي:

مما لاشك فيه، فإن الخزان المعرفي في سوريا يسمح بإطلاق صناعة للمحتوى الرقمي العربي، ولكنني أعتقد (وكما أشرت قبل سنة من الآن)، بأن الخلط بين مفهومي صناعة المحتوى وتطوير أدواته (والتي تعتبر جزءاً من الفقرة السابقة)، هو السبب الرئيس في عدم قدرتنا على بناء صناعة محتوى ملائمة. يترافق ذلك مع غياب الرؤية الواضحة لدور صناعة المحتوى في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وكل ذلك جعل من هذه القضية مشروعاً غير مكتمل المكونات، وذلك بسبب تعدد الصلاحيات وتداخل الرؤى، ونعتقد أن هذا المحور هو المحرك الرئيس لصناعة المعرفة، وبالتالي فالتأخر في العمل على هذا المحور يؤدي لعدم القدرة على تسييل خزانات المعرفة في الاقتصاد الوطني.

وختاماً، فإننا نعتقد أن المشكلة الرئيسية في سوريا هي في طريقة تحديد وإدارة الملفات الاستراتيجية، فبعد الاتفاق على تحديدها (وهذا لم يحصل حتى تاريخه)، يجب أن يكون هناك آليات واضحة توزع الأدوار، وتراقب التطور والتعثر، وتتخذ الإجراءات المناسبة لضمان تحقيق المبادرات الاستراتيجية لأهدافها، وبالرغم من أن سوريا قد وضعت وثيقة استراتيجية (سوريا 2025)، إلا أن هذه الوثيقة الهامة لم تجد طريقها بعد للتأثير على آليات صنع القرار وإدارة الملفات الاستراتيجية بالشكل المناسب، وربما كان هذا هو التحدي الأول الذي علينا معالجته.


==

المقال منشور في العدد 357 من مجلة أبيض و أسود

==

عن الكاتب
User picture

مهندس و استشاري و كاتب متخصص في التقانة و الأداء المؤسساتي و في قضايا التنمية و آثارها الاجتماعية. 

Creative Commons license icon Creative Commons license icon Creative Commons license icon
اتفاقية ترخيص هذه المقالة تتبع Attribution Non-commercial No Derivatives Creative Commons license

Premium Drupal Themes by Adaptivethemes